تخطَّ إلى المحتوى
آدم تميمي

مقالةالفكر والمجتمع

المغاربة منافقون؟

تأمل نقدي في التناقض بين الخطاب الديني والممارسات الاجتماعية، وفي صراع الهوية والأحكام الانتقائية داخل المجتمع المغربي.

الكاتب
آدم تميمي
تاريخ النشر
مدة القراءة
3 دقائق قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أنا نشأت في مدينة وعائلة محافظة، ومنذ نعومة أظافري وأنا أرى القيم الإسلامية تتخلل مختلف مناحي حياتي. لكن التحول الحقيقي بدأ عندما صارت نزعة الشك والتفكير والتأمل تراودني، خصوصًا بعدما غادرت المغرب، «البلد الإسلامي بين قوسين»، واستقررت في الديار الأوروبية، بفرنسا، «دولة العلمانية».

في الأيام الأولى كنت متشبثًا أشد التشبث بديني، لكن سرعان ما بدأت ألاحظ ما أعتبره تناقضًا كبيرًا في سلوك كثير من المغاربة المسلمين، حتى تساءلت: هل نحن أمام مجتمع يعيش نوعًا من النفاق والصراع الداخلي بين ما يؤمن به، أو يدّعي الإيمان به، وبين ما يمارسه في الواقع؟

ومن هنا بدأ صراع الهوية يتغلغل داخلي.

تتساءلون: لماذا؟

رأيت مغاربة يكفّر بعضهم بعضًا، وآخرين يحكمون على الناس وكأنهم أوصياء على دين الله، والعياذ بالله. ورأيت من يحلّل ويحرّم حسب هواه ومصلحته.

أَوَلم يتجلَّ لكم هذا التناقض بعد؟

فقد تجد شخصًا يمارس علاقات خارج إطار الزواج، لكنه إذا رأى شخصًا آخر يأكل لحمًا غير «حلال» أو يشرب الخمر، كفّره واحتقره وربما كرّهه في الدين، والعكس صحيح. كل واحد يختار من الدين ما يناسبه، ثم يجعل نفسه قاضيًا على غيره.

وإذا كنت قد تكلمت عن هذا الجانب في أوروبا، فماذا عن المغرب؟

بالنسبة لي، أصبح التناقض هناك أكبر مما كنت أتصور. ففي الوقت الذي يقدّم فيه المجتمع نفسه باعتباره مجتمعًا محافظًا ومتمسكًا بالقيم الإسلامية، ترى في الواقع ممارسات وسلوكيات بعيدة جدًا عن هذه الصورة.

وأخذ هنا مثالًا يعتبر في الإسلام من أعظم الكبائر، وهو الزنا.

خلال زيارتي الأخيرة لبعض المدن المغربية، عشت نوعًا من الصدمة الثقافية، خصوصًا وأنني أنحدر من وجدة. تفاجأت بكمية العري، وبمدى تطبيع الحديث عن العلاقات الرضائية، حتى إن سائق سيارة أجرة، رجل في عمر والدي تقريبًا، أخذ يحدثني عنها بكل عادية، بل وحثني على ممارستها.

وهنا بدأت أتساءل: هل نحن نقترب فعلًا من ذلك الزمن الذي حدثنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، زمن الفتن؟

وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم:
«يأتي على الناس زمان، الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر».

إن هذا التناقض، في نظري، لم يعد مجرد حالات فردية، بل أصبح ظاهرة اجتماعية تستحق النقاش. مجتمع يطالب الناس بالمحافظة على المظاهر، لكنه يغض الطرف عن كثير من الممارسات، ثم يحاكم الأفراد بشكل انتقائي حسب ما يناسبه.

وأظن أن هذا الوضع قد يكون أحد العوامل التي تدفع بعض الشباب إلى النفور من الدين أو إلى الإلحاد، ليس بسبب الدين في حد ذاته، وإنما بسبب الصورة التي يقدمها له بعض من يدّعون تمثيله. كما أن هذا الصراع المستمر بين الرغبات الفردية، وضغط المجتمع، والخوف من الأحكام، قد يخلق أزمات نفسية حقيقية داخل الإنسان.

وفي الواقع، الدولة أيضًا تساهم أحيانًا في ترسيخ هذا الانقسام والتناقض.

فعلى سبيل المثال، هناك قوانين وممارسات اجتماعية تعطي أحيانًا رسائل متضاربة حول الخمر وغيره: شيء موجود ومتداول ويستهلكه جزء من المجتمع، وفي الوقت نفسه تحيط به تناقضات قانونية واجتماعية وأخلاقية كثيرة.

وبالدارجة نقول:
«طلع للشجرة تاكل الكرموس… أجي، شكون قالها لك؟»

أي أننا أحيانًا نطلب من الإنسان شيئًا ثم نلومه على فعله في الوقت نفسه.

أنا هنا لا أدعو إلى استحلال ما حرّم الله، ولا إلى فرض نمط حياة معين على المجتمع، وإنما أدعو فقط إلى أن نكون واضحين وصادقين مع أنفسنا، كأفراد، وكمجتمع، وكدولة.

إما أن نقول إننا مجتمع محافظ فعلًا ونكون منسجمين مع ذلك، أو نعترف بأن المجتمع تغير وأن هناك واقعًا جديدًا يحتاج إلى نقاش صريح ومسؤول، بعيدًا عن النفاق والمزايدات والأحكام الجاهزة.

نحتاج إلى الشجاعة والمسؤولية والإرادة لمناقشة مثل هذه المواضيع الحساسة، لأن تجاهلها لن يجعلها تختفي.

ولي عودة إلى الموضوع.

هذا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

شارك المقالة

العودة إلى المقالات

اقرأ أيضًا