تخطَّ إلى المحتوى
آدم تميمي

مقالةالسياسة والمجتمع

لا مكان لمغرب بسرعتين!

محور أكادير–طنجة والجهات المنسية: قراءة في أرقام الاستثمار العمومي لسنة 2026 والناتج الداخلي الإجمالي الجهوي لسنة 2024.

الكاتب
آدم تميمي
تاريخ النشر
مدة القراءة
3 دقائق قراءة

محور أكادير–طنجة والجهات المنسية

مع صعود حكومة المنصوري، التي اختارت، حسب قولها، نهج الاستمرارية، في وقت تنادي فيه أصوات معارضة بالقطيعة مع الماضي وبدء مرحلة جديدة، لا بأس أن أفتح هنا نقاشاً حول موضوع أعتبره من أهم القضايا التي تواجه بلادنا: الفوارق المجالية. وأتمنى أن أكون موفقاً في طرحه.

أنا ابن منطقة مهمشة، أو ربما حتى منسية، وهي الجهة الشرقية. وقد سبق لي أن زرت بعض المدن التي أحب أن أسميها مجازاً «المدن الأوروبية داخل المغرب»، كالدار البيضاء وأكادير وطنجة. وصراحة، شعرت بنوع من الغيرة، وتساءلت: لماذا لا تكون جهتنا، أو على الأقل بعض مدنها، في مستوى هذه المدن؟ لماذا لا تحظى بنفس الاهتمام والفرص التنموية؟

لننتقل إلى الأرقام.

حسب التقرير المتعلق بالمؤسسات والمقاولات العمومية، المرافق لمشروع قانون المالية لسنة 2026، فإن 60.4% من الاستثمارات المبرمجة لهذه المؤسسات والمقاولات لسنة 2026 موجهة إلى ثلاث جهات فقط:

  • الدار البيضاء–سطات: 31.2%.
  • الرباط–سلا–القنيطرة: 14.6%.
  • مراكش–آسفي: 14.6%.

ولم يكن الوضع مختلفاً كثيراً سنة 2025، إذ بلغت حصة الجهات الثلاث نحو 64%.

أما بخصوص إنتاج الثروة الوطنية، فتشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط لسنة 2024 إلى أن جهة الدار البيضاء–سطات ساهمت بنسبة 32.3% من الناتج الداخلي الإجمالي، تليها الرباط–سلا–القنيطرة بنسبة 15.5%، ثم طنجة–تطوان–الحسيمة بنسبة 10.7%.

أي أن ثلاث جهات فقط تساهم في إنتاج 58.4% من الناتج الداخلي الإجمالي للمغرب، بينما تتقاسم الجهات التسع الأخرى النسبة المتبقية.

ألم يحن الوقت لإعادة النظر في هذا التفاوت المجالي وفي توزيع الاستثمارات العمومية؟ أليس من حق الجهات الأقل استفادة أن تحظى بنصيب أوفر من التنمية؟ ألم يحن الوقت لإنهاء هذه «القسمة الضيزى»، وإرساء جهوية متقدمة حقيقية، تقوم على منتخبين يمثلون الساكنة فعلاً، ويتمتعون بصلاحيات فعلية ويخضعون للمحاسبة؟

وأعود هنا للحديث عن جهتي، فالجهة الشرقية ليست مجرد منطقة على هامش الخريطة، بل هي جزء من هذا الوطن، ولكل مواطن الحق الكامل في الدفاع عن منطقته والمطالبة بتنميتها.

تزخر الجهة الشرقية بموارد طبيعية مهمة، وموارد بشرية أهم، فضلاً عن مؤهلات سياحية وتاريخية ضخمة، خاصة في سلسلة جبال بني يزناسن.

لنأخذ مثلاً تافوغالت وزكزل، بما تزخران به من طبيعة خلابة ومواقع تاريخية وأثرية، من بينها مغارة الحمام ومغارة الجمل. لماذا لا تعمل الدولة على تأهيل هذه المناطق وتحويلها إلى قطب سياحي حقيقي؟ ولماذا لا تُثمن المؤهلات الطبيعية لحامة فزوان، المعروفة بمياهها المعدنية الساخنة؟

إن الأمر لا يتعلق فقط بالسياحة، بل بضرورة إعطاء انطلاقة اقتصادية حقيقية للجهة، من خلال الاستثمار في البنيات التحتية، وخلق فرص الشغل، وتشجيع المبادرات المحلية، واستثمار موقعها الجغرافي.

ولا ينبغي أن ننسى أن الجهة الشرقية منطقة حدودية، وأن موقعها الجغرافي يجعلها عرضة لتداعيات التوتر بين المغرب والجزائر. ولهذا، فإن تنميتها ليست مجرد مطلب اجتماعي واقتصادي، بل قضية استراتيجية أيضاً.

صحيح أن المدن والجهات التي ذكرتها، كالدار البيضاء والرباط وطنجة وأكادير، تعاني بدورها من مشاكل اجتماعية واقتصادية وتفاوتات داخلية، وأنا لا أنكر ذلك إطلاقاً. لكن هذا لا ينفي وجود تركّز مجالي كبير للأنشطة الاقتصادية والاستثمارات، ولا يعفي الدولة من مسؤوليتها في تقليص الفوارق بين الجهات.

نحن لا نطالب بتراجع تنمية الدار البيضاء أو الرباط أو طنجة، بل نطالب بأن تصل التنمية أيضاً إلى وجدة وبركان وجرادة وتاوريرت وفجيج، وإلى كل المناطق التي ظلت لعقود خارج دائرة الاهتمام الكافي.

فالتنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بما تحققه المدن الكبرى، بل بمدى استفادة جميع المواطنين منها، أينما كانوا.

لا نريد مغرباً بسرعتين، مغرباً يتقدم فيه البعض بينما ينتظر البعض الآخر دوره في التنمية.

المراجع

  1. وزارة الاقتصاد والمالية (المغرب)، تقرير حول قطاع المؤسسات والمقاولات العمومية المرافق لمشروع قانون المالية لسنة 2026، 2026.ملخص التقرير على موقع الوزارة. صفحة مشروع قانون المالية 2026 https://www.finances.gov.ma/fr/vous-orientez/Pages/plf2026.aspx
  2. المندوبية السامية للتخطيط، مذكرة إخبارية حول الحسابات الجهوية لسنة 2024، 2025.

شارك المقالة

العودة إلى المقالات